١٤‏/٠٧‏/٢٠٢٦، ١٠:٤٧ ص

ستة أخطاء استراتيجية ارتكبتها الولايات المتحدة في مواجهة إيران

ستة أخطاء استراتيجية ارتكبتها الولايات المتحدة في مواجهة إيران

أعادت الحرب التي استمرت أربعين يومًا وما أعقبها من تطورات التأكيد على حقيقة مفادها أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق النجاح السياسي والاستراتيجي.

وكالة مهر للأنباء: أعادت الحرب التي استمرت أربعين يومًا وما أعقبها من تطورات التأكيد على حقيقة مفادها أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق النجاح السياسي والاستراتيجي. فبينما اعتقدت الولايات المتحدة وحلفاؤها، اعتمادًا على قدراتهم العسكرية والتكنولوجية وعملياتهم المعقدة، أنهم قادرون على إرغام إيران خلال فترة وجيزة على الرضوخ لشروطهم، كشفت مجريات الأحداث أن الحسابات الأمريكية قامت منذ البداية على فرضيات خاطئة.

وفي تحليل استراتيجي، اعتبرت وكالة بلومبرغ أن إخفاق الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران يعود إلى ستة أخطاء استراتيجية كبرى، حالت دون تحويل المكاسب التكتيكية إلى انتصار سياسي واستراتيجي. ويُعد هذا التحليل اعترافًا بأن الهزيمة الأبرز لواشنطن لم تكن في ساحة المعركة، بل على مستوى التخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار.

أولًا: وهم الحرب القصيرة

تمثل الخطأ الأول في اعتقاد واشنطن أن الحرب ستنتهي سريعًا. فقد راهن صناع القرار الأمريكيون على أن الضربات المكثفة والصدمة الأولى ستؤدي إلى انهيار منظومة اتخاذ القرار في إيران، وتجبر طهران على قبول الشروط الأمريكية خلال فترة قصيرة.

لكن، وعلى خلاف هذه التوقعات، تمكنت إيران من الحفاظ على تماسك منظومة القيادة والسيطرة، وأعادت تنظيم شبكاتها القيادية بسرعة، واستمرت في إدارة العمليات، ما حوّل المواجهة إلى حرب استنزاف رفعت الكلفة السياسية والعسكرية على الولايات المتحدة وأربكت حساباتها الأولية.

ثانيًا: سوء فهم آلية اتخاذ القرار في إيران

يرى التحليل أن واشنطن أخفقت في فهم طبيعة النظام الإيراني وآلية اتخاذ القرار فيه. فقد افترضت أن اغتيال القادة العسكريين والسياسيين سيؤدي إلى انهيار البنية السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية.

إلا أن النتائج جاءت معاكسة تمامًا، إذ عززت عمليات الاغتيال التماسك الداخلي، ورفعت مستوى التعبئة والإرادة لمواصلة المواجهة، كما أثبتت الحرب أن منظومة اتخاذ القرار في إيران لا تعتمد على الأشخاص، بل تستند إلى شبكة مؤسسات وخبرات متراكمة وآليات بديلة تضمن استمرارية الأداء.

ثالثًا: تجاهل السيناريوهات الأسوأ

من الأخطاء الأخرى التي رصدتها بلومبرغ إهمال واشنطن للسيناريوهات عالية الكلفة، واعتمادها المفرط على أفضل الاحتمالات الممكنة، دون الاستعداد لتداعيات مثل إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة العالمية، واتساع رقعة الصراع.

ومع استمرار الحرب، اتضح أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على إيران، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي وحلفاء الولايات المتحدة، الأمر الذي ضيّق هامش المناورة أمام واشنطن.

رابعًا: الفجوة بين الأهداف والوسائل

أشارت بلومبرغ إلى أن الولايات المتحدة وضعت أهدافًا أكبر بكثير من الأدوات التي كانت تمتلكها. فقد سعت إلى تغيير السلوك الاستراتيجي لإيران، بل ودفعها إلى نوع من الاستسلام الجيوسياسي، في حين لم تكن مستعدة لخوض حرب برية واسعة أو تحمل كلفتها الباهظة.

وقد جعل هذا التناقض بين الأهداف والإمكانات العمليات العسكرية الأمريكية عاجزة عن تحقيق الغايات السياسية المرجوة، خاصة في ظل التجارب المكلفة التي خاضتها واشنطن سابقًا في العراق وأفغانستان.

خامسًا: الفشل في بناء توافق داخل عملية صنع القرار

ومن بين أبرز النقاط التي تناولها التحليل، ضعف آلية صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية، حيث اتُّخذت القرارات ضمن دائرة ضيقة من المستشارين، من دون اختبار الفرضيات بصورة دقيقة أو الاستماع إلى آراء مختلفة.

وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين التقديرات الأمريكية والواقع الميداني، إذ غلب التفاؤل والتقديرات الذاتية على التحليل الموضوعي متعدد الأبعاد، ما أسفر عن أخطاء كبيرة في الحسابات.

سادسًا: استبدال الاستراتيجية بالقوة العسكرية

اعتبرت بلومبرغ أن الخطأ الأخير، وربما الأهم، تمثل في المبالغة في الاعتماد على القوة العسكرية والحدس السياسي، وافتراض أن التفوق العسكري يمكن أن يحل محل الاستراتيجية.

وأكدت أن النجاح التكتيكي في تنفيذ الضربات العسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق نصر استراتيجي، إذ إن إلحاق الضرر بالخصم لا يؤدي تلقائيًا إلى تغيير سلوكه، ما لم يكن ذلك جزءًا من رؤية سياسية واستراتيجية واضحة، وهو ما جسدته الحرب مع إيران بوضوح.

قوة إيران قلبت الحسابات الأمريكية

وأظهرت الحرب، بحسب التحليل، أن الإخفاق الأمريكي لم يقتصر على فشل عملية عسكرية، بل كشف عن أزمة في نموذج صناعة القرار في واشنطن، الذي يفترض أن التفوق الناري يمكن أن يغني عن الفهم الدقيق للخصم.

فقد برهنت إيران أن القوة الوطنية لا تقتصر على الإمكانات العسكرية، وإنما تشمل أيضًا التماسك السياسي، واستمرارية القيادة، والقدرة على إعادة بناء المؤسسات بسرعة، وامتلاك عناصر ردع فعالة، وإدارة متزامنة للميدانين العسكري والسياسي، فضلًا عن القدرة على احتواء الأزمات.

وبفضل هذه العناصر، لم تتمكن الضغوط العسكرية من تحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة؛ فلم تنهَر منظومة اتخاذ القرار الإيرانية، ولم تتراجع إرادة المقاومة، كما لم تتحقق الأهداف القصوى لواشنطن. وفي المقابل، واجهت الولايات المتحدة ارتفاعًا في كلفتها السياسية والاقتصادية، وتعرضت مصداقية قدرتها الردعية إلى تساؤلات متزايدة.

ويخلص تحليل بلومبرغ إلى أن القوة العسكرية، مهما حققت من نجاحات تكتيكية، لا يمكن أن تصنع انتصارًا دائمًا من دون استراتيجية متماسكة، وفهم دقيق لطبيعة الخصم، وتوازن واقعي بين الأهداف والوسائل.

كما أبرزت الحرب التي استمرت أربعين يومًا أن الميزة الأهم لإيران لا تكمن فقط في قدراتها الصاروخية أو العسكرية، بل في امتلاكها منطقًا استراتيجيًا، وقدرة عالية على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ على التماسك الوطني، وإدارة الأزمات بكفاءة. ولذلك، فإن تجاهل واشنطن للحقائق الجيوسياسية ولمنطق اتخاذ القرار الإيراني قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء ذاتها، بما يعزز الموقع الاستراتيجي لإيران في المعادلات الإقليمية والدولية بدلًا من إضعافه.

رمز الخبر 1972275

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha